الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وانتصب الْمُؤْتَفِكَةَ مفعول أَهْوى أي أسقط أي جعلها هاوية . والإهواء : الإسقاط ، يقال : أهواه فهوى ، ومعنى ذلك : أنه رفعها في الجو ثم سقطت أو أسقطها في باطن الأرض وذلك من أثر زلازل وانفجارات أرضية بركانية . ولكون الْمُؤْتَفِكَةَ علما انتفى أن يكون بين الْمُؤْتَفِكَةَ و أَهْوى تكرير . وتقديم المفعول للاهتمام بعبرة انقلابها . وغشاها : غطاها وأصابها من أعلى . و ما غَشَّى فاعل فَغَشَّاها ، و ( ما ) موصولة ، وجيء بصلتها من مادة وصيغة الفعل الذي أسند إليها ، وذلك لا يفيد خبرا جديدا زائدا على مفاد الفعل . والمقصود منه التهويل كأنّ المتكلم أراد أن يبين بالموصول والصلة وصف فاعل الفعل فلم يجد لبيانه أكثر من إعادة الفعل إذ لا يستطاع وصفه . والذي غشاها هو مطر من الحجارة المحماة ، وهي حجارة بركانية قذفت من فوهات كالآبار كانت في بلادهم ولم تكن ملتهبة من قبل قال تعالى : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [ الفرقان : 40 ] وقال : وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [ هود : 82 ] . وفاضت عليها مياه غمرت بلادهم فأصبحت بحرا ميتا . وأفاد العطف بفاء التعقيب في قوله : فَغَشَّاها إن ذلك كان بعقب أهوائها . [ 55 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 55 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 ) تفريع فذلكة لما ذكر من أول السورة : مما يختص بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم من ذلك كقوله : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى إلى قوله : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [ النجم : 2 - 18 ] . ومما يشمله ويشمل غيره من قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى إلى قوله : هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [ النجم : 43 - 49 ] فإن ذلك خليط من نعم وضدها على نوع الإنسان وفي مجموعها نعمة تعليم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأمته بمنافع الاعتبار بصنع اللّه . ثم من قوله : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً [ النجم : 50 ] إلى هنا . فتلك نقم من الضالين والظالمين لنصر رسل اللّه ، وذلك نعمة على جميع الرسل ونعمة خاصة بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وهي بشارته بأن اللّه سينصره ، فجميع ما عدد من النعم على أقوام والنقم عن آخرين هو نعم محضة للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين . و ( أي ) اسم استفهام يطلب به تمييز متشارك في أمر يعم بما يميز البعض عن البقية